أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
156
العقد الفريد
صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيها الناس ، إني داع فأمّنوا : اللهم إني غليظ فليّنّي لأهل طاعتك بموافقة الحق ابتغاء وجهك والدار الآخرة ، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق ، من غير ظلم مني لهم ، ولا اعتداء عليهم ؛ اللهم إني شحيح فسخّني في نوائب المعروف ، قصدا من غير سرف ولا تبذير ، ولا رياء ولا سمعة ، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ؛ اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين ، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان ، فألهمني ذكرك على كل حال ، وذكر الموت في كل حين ؛ اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك ، فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعونك وتوفيقك ؛ اللهم ثبّتني باليقين والبرّ والتقوى ، وذكر المقام بين يديك والحياء منك ، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني ؟ والمحاسبة لنفسي ، وإصلاح الساعات ، والحذر من الشبهات ؛ اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك ، والفهم له ، والمعرفة بمعانيه ، والنظر في عجائبه ، والعمل بذلك ما بقيت ؛ إنك على كل شيء قدير . وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته : اللهم اجعل خير زماني آخره ، وخير عملي خواتمه ، وخير أيامي يوم ألقاك . وكان آخر كلام عمر الذي إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته : اللهم لا تدعني في غمرة ، ولا تأخذني على غرّة ، ولا تجعلني من الغافلين . خطبة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ولما ولي عثمان بن عفان قام خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وتشهد ، ثم أرتج عليه « 1 » ؛ فقال :
--> ( 1 ) أرتج عليه : استغلق عليه الكلام .